ابن كثير
34
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وهؤلاء بنو إسرائيل . قال : صعد به إلى السماء السادسة ، فاستفتح ، فقالوا : من هذا ؟ قال : جبريل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، فقالوا : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، فقالوا : حياه اللّه من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، قال : فدخل ، فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل ، فقال : يا جبريل من هذا ؟ قال : موسى ، قال : فما باله يبكي ؟ قال : يزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على اللّه عز وجل ، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى ، فلو أنه بنفسه لم أبال ولكن مع كل نبي أمته . قال : ثم صعد به إلى السماء السابعة ، فاستفتح ، فقالوا : من هذا ؟ قال : جبريل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد ، فقالوا : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، فقالوا : حياه اللّه من أخ ومن خليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ، قال : فدخل ، فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي ، وعنده قوم جلوس ، بيض الوجوه أمثال القراطيس ، وقوم في ألوانهم شيء ، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء ، فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه ، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء ، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء . ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه ، فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم ، جاءوا فجلسوا إلى أصحابهم ، فقال : يا جبريل من هذا الأشمط ، ثم من هؤلاء البيض الوجوه ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء ، وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاؤوا وقد صفت ألوانهم ؟ قال : هذا أبوك إبراهيم ، أول من شمط على وجه الأرض ، وأما هؤلاء البيض الوجوه ، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم ، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء ، فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، فتابوا فتاب اللّه عليهم ، وأما الأنهار ، فأولها رحمة اللّه ، والثاني نعمة اللّه ، والثالث سقاهم ربهم شرابا طهورا . قال : ثم انتهى إلى السدرة ، فقيل له : هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك ، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها ، والورقة منها تغطي الأمة كلها ، قال : فغشيها نور الخلاق عز وجل ، وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة ، من حب الرب تبارك وتعالى ، قالوا : فكلمه اللّه عند ذلك فقال له : سل ، فقال : إنك اتخذت إبراهيم خليلا وأعطيته ملكا عظيما ، وكلمت موسى تكليما وأعطيت داود ملكا عظيما وألنت له الحديد ، وسخرت له الجبال ، وأعطيت سليمان ملكا وسخرت له الجن والإنس والشياطين ، وسخرت له الرياح وأعطيت له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك ، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم ، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل ،